محمد بن يزيد المبرد

529

المقتضب

وفي المعرفتين قوله : اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ « 1 » . وفي بدل النكرة من المعرفة قوله : « مررت بزيد صاحب مال » ، و « مررت بالرجل رجل صالح » . قال اللّه عزّ وجلّ : كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ ناصِيَةٍ « 2 » . فأمّا المضمر والمظهر ، فكقولك : « زيد مررت به أخيك » . وتقول : « رأيت زيدا إيّاه » ، و « أخوك رأيته زيدا » ، والمضمران : « رأيتك إيّاك » . فهذا ضرب من البدل . والضّرب الآخر أن تبدل بعض الشيء منه ؛ لتعلم ما قصدت له ، وتبيّنه للسامع . وذلك قولهم : « ضربت زيدا رأسه » . أردت أن تبيّن موضع الضرب منه ، فصار كقولك : « ضربت رأس زيد » . ومنه : « جاءني قومك أكثرهم » . بيّنت من جاءك منهم . قال اللّه عزّ وجلّ : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا « 3 » « من » في موضع خفض ؛ لأنّه على مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا . ومن ذلك إلّا أنّه أعيد معه حرف الخفض : قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ « 4 » . كان أيضا جيّدا كالآية التي ذكرنا قبل . فهذان ضربان . والضرب الثالث أن يكون المعنى محيطا بغير الأوّل الذي سبق له الذكر لالتباسه بما بعده ، فتبدل منه الثاني المقصود في الحقيقة . وذلك قولك : « ما لي بهم علم أمرهم » ، ف « أمرهم » غيرهم . وإنّما أراد : ما لي بأمرهم علم . فقال : « ما لي بهم علم » وهو يريد « أمرهم » . ومثل ذلك : « أسألك عن عبد اللّه متصرّفه في تجارته » ؛ لأنّ « المسألة » عن ذلك . قال اللّه عزّ وجلّ : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ « 5 » لأنّ المسألة عن « القتال » ، ولم يسألوا أيّ الشهر الحرام ؟ وقال : قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ « 6 » لأنّهم أصحاب النار التي أوقدوها في الأخدود . وقال الأعشى [ من الطويل ] : لقد كان في حول ثواء ثويته * تقضّي لبانات ويسأم سائم [ 7 ] لأنّه أراد ثواءه حولا .

--> ( 1 ) الفاتحة : 6 - 7 . ( 2 ) العلق : 15 ، 16 . ( 3 ) آل عمران : 97 . ( 4 ) الأعراف : 75 . ( 5 ) البقرة : 217 . ( 6 ) البروج : 4 ، 5 . [ 7 ] تقدم بالرقم 5 .